مقالات وأراء

قصاقيص مروة طلبة: « الثقافة التقليدية والثقافية التقنية»

مروة طلبة

شغلت الثقافة أذهان وفكر المثقفين على مر العصور وقد أسهموا في تنوير المجتمعات وعملوا على الإرتقاء بثقافة مجتمعاتهم كل على حسب فكره وعلى اختلاف صنعته فتألق (االعالم،الاديب الشاعر،الفيلسوف الفنان والرياضى ) ومع التطور العلمى أصبح المثقفون التقليديين في مأزق فقد قل الإهتمام بالأدب واللغات والتاريخ والإنسانيات فإرتبكت الأوساط الثقافية وبرر البعض ما يحدث لأسباب عديدة لكن لم يصلوا بنا إلى نظرية توضح بدقة لماذا أصبح تأثير الثقافة أقل بكثير من الماضى ولماذا تغيرت السلوكيات والأفكار فى المجتمعات فى جميع أنحاء العالم .
في هذا المقال قصاقيص تلقى بصيص من الضوء على بعض أسباب تلك التغيرات فلنبدأ معا في رحلة بحث وإكتشاف ..
القصقوصة الأولي:
إنقسمت الثقافة في هذا العصر إلى نوعين من الثقافة
النوع الأول ( الثقافة التقليدية )ومعناها المبسط هى مجمل العلوم والفنون والآداب وهى السلوك الإجتماعي في أى مجتمع ويقال تثقف الشاب ثقافة عالية أى تعلم علوما مختلفة وتأدب وثقاف الرماح هى أداة من الحديد أو الخشب يعدل بها الرمح ويستقيم بها إعوجاجه ويتم تسويته.
النوع الثانى:( الثقافة التقنية )
ومعناها المبسط هى مجموع الطرق المستخدمة لاختراع آلة وتطويرها لنسهل على أنفسنا بواسطتها إستخدام الأشياء حولنا؛ وقد تطورت البشرية إلى أن وصلت إلى الآلة الاتوماتيكية التى تعتمد على البرمجة والذكاء الصناعى لنصل إلى أمور مدهشة إلا أن هذه الآلات قللت كثيرا من دور الإنسان الذي اخترعها فأصبح معتمدا عليها بشكل كبير في تصريف أمور حياته .
وهنا نفكر هل خدمت وأفادت الثقافة التقنية الثقافة التقليدية بشكل كبير أم أعاقتها
القصقوصة الثانية:
في عصرنا الحالى أعاقت الثقافة التقنية الثقافة التقليدية بشكل ملحوظ فإنخفض الإهتمام بعلوم الإنسانيات وزاد الإهتمام بالتعلم والتدرب على تقنيات الآلات الحديثة فمن يريد أن يحصل على عمل ليعيش ويتكسب لابد له من إجادة مهارة استخدام التقنيات ليواكب العصر أما عدد الكتب التي قرأها أو حصيلة تفكيره تأتى فى مرحلة متأخره بعد إجادته التعامل مع التكنولوجيا والأجهزة .
القصقوصة الثالثة:
تحول إهتمام العالم من متابعة المكتبات والفلاسفة وآراء المفكرين إلى الكومبيوتر والإنترنت وتفوقت بشراسة الصورة على الكتابة والكلام؛ مما أدى إلى إنخفاض فى الأداء البشري و عدم السعى لإكتساب العديد من المهارات الجسدية والعقلية نتيجه لإندماج البشر مع الآلات والإعتماد الأكبر على الذكاء الإصطناعي فمثلا العمليات الحسابية إستبدلت بعمل الآلة الحاسبة فلم يعد الإهتمام بالثقافة التقليدية وتتبعها بنفس قدر إهتمام المجتمعات بمتابعة تطور الآلات وإصداراتها الحديثة فصدور نسخة أحدث من نوع من أنواع الهواتف المحمولة أصبح يأخذ إهتمام أكبر من صدور موسوعة علمية جديدة .
القصقوصة الرابعة:
ظهرت قوانين مستحدثة تحكم البشرية فعلى سبيل المثال يخضع العالم الآن إلى قانون يقول إنه كلما زادت التقنية كلما زادت قوتها وبالتالى جلبت أموالا كثيرة لذلك فإن الدولة التى تمتلك تقنية أكبر من غيرها من الدول هى الدولة التى ستتمكن من التحكم فى عقول وتصرفات الشعوب في بلاد أقل منها تقنية وستتمكن من الهيمنة عليها سياسيا . لذلك إهتمت الدول المتقدمة ووضعت أولوية الإنفاق على التقدم في علوم معينة هى ( الذرة ،الحاسب الآلى ،الأقمار الصناعية ،الهندسة الوراثيّة ) وتراجع الإنفاق فى هذه الدول على العلوم الإنسانيّة والثقافية التقليدية لأن الثقافة التقنية تمنح القوة والسيطرة الأكبر وبالتالى تراجع دور المفكر والكاتب عن دور عالم التقنيات .


القصقوصة الخامسة:
تحولت عقيدة الملايين من البشر نتيجة القوة العاطفية والرمزية للوسائل السمعية والبصرية نحو نجوم توهجت في سماء اللهو والتسلية من خلال إظهارهم مصحوبين بإبهار شديد التأثير على العقول و بإستغلال جيد للتقنيات الحديثة حتى أصبحوا عند كثير من الناس حول العالم أصناما تعبد رغم سفاهة ما يقدمون للبشرية وانهم لا يرتقون إلى عظماء العصور الماضية كشكسبير أو تولستوي وإنما نماذج فارغة مثل المطرب (مايكل جاكسون )أو( مادونا )أو(الليدى جاجا) فحجبت التقنية الضوء عن المفكر وسلطته على من يحقق ربحا أكبر .
القصقوصة السادسة:
هى قصقوصة غاية في الأهمية فى الزمن الماضى كانت الألعاب تعتمد على الحركة و التنافس بين إثنين أو أكثر كألعاب الورق أو الشطرنج وألعاب الرحلات والعاب القرية والصحراء كالتقارع بالسيوف أو الرقص أو التنافس بين الشعراء في نظم القوافى وضبط العروض أو سباقات الجرى لاشك أن تلك الألعاب كانت تغذى الفكر والروح وتحسن الحياة الإجتماعية وتجعل الثقافة التقليدية في تطور .
مع ظهور الثقافة التقنية إكتسحت ألعاب الكومبيوتر التى لا تخرج من نطاق العالم الخرافى ووحدت الفرد مع الآله وأنتجت عزلة لدى الناس وإستهلكت أغلب وقت الشباب وصرفتهم عن القراءة والإطلاع والمشاهدة وزرعت العنف فكلما تطورت التكنولوجيا أكثر سمحت بمشاهدة أكبر للعنف تجسيدا وتجسيما إنحسر التفكير الموضوعى ورسخت تلك الألعاب التنافس الغير إجتماعى وأدت إلى إنحطاط أخلاقى وإنفصال الفرد عمن حوله ونمت نزعات الهروب وإنخفضت الشهامة والمرؤة فأصيبت الثقافة التقليدية بالهزال والضعف عند من يدمنون تلك الألعاب من جميع الأعمار .


القصقوصة السابعة:
الرياضة في زمن الثقافة التقليدية كانت تنافس شريف وبناء للأجسام وإعلاء للروح الرياضية ونشر السلام وأرست قواعد للشرف والصرامة واللعب النظيف فكان الرياضى فى الماضى مثقفا تقليديا يينشر سلوكا قويما ويقتدى بأخلاقه شباب المجتمع .
لكن الرياضة في عصر التقنية لم تعد كما كانت بل شابها أشياء كثيرة مع إقتحام سطوة الدعاية والترويج للشركات والسلع ولكى تنجح حملات الدعايه تم حقن رؤوس الجمهور بالرياضة بأسلوب لا يتوقف فالمباريات أصبحت أهم من الأنباء .
الرياضة بالنسبة للنوادى أصبحت شأنا ماليا أكثر منه معنويا تسيدت النقود في ظل التقنيات العالية لتنجح حملات الترويج للسلع والمنتجات ولكى تزيد نسبة المشاهدات كان لابد من زيادة العنف في الرياضه ليزيد إنبهار المشاهد فالأكثر تأثيرا لجذب الأبصار هو إظهار عنف أكبر على الشاشات ليزيد الحماس والتشويق وبالتالى تفرض على العقول والأبصار السلع التى يتم الدعاية لها فمثلا مباريات الملاكمة أوالمصارعة الحرة زاد فيها العنف والعدوانية حتى التنس اللعبة الراقية الرشيقة الهادئة أصبحت تشبه ضرب المطارق ؛ وفى ألعاب الكرة ككرة القدم زادت عروض اللاعبين الجسدية المبالغ فيها بعد إحراز هدف أو بعد إنتهاء المباريات فى حالة الخسارة اوك الفوز كل ،ذلك من أجل إشباع الكاميرات وإنجاح الدعايات والحصول على أموال المعلنين و أيضا إنعكس ذلك على الجمهور وأصبح العنف في تعامل الجماهير مع بعضهم ملحوظا فرصدت حالات لاعتداءات لفظية وأحيانا إعتداءات جسدية بين الجماهير التى تتنافس فرقها ضد بعض فنتجت سلوكيات وتصرفات غريبة فى كل المجتمعات تعتبر بعيدة كل البعد عن الثقافة التقليدية .


القصقوصة الثامنة:
مما إستعرضناه نستنتج أن الثقافة التقليدية كانت تهتم أولا بالإنسان ثم إذا ارتقى الإنسان جاءت المادة فى مرحلة متأخرة بعد الإنسان و إهتمت بالفكر والسلوك الإنساني أكثر من كسب النقود أما الثقافة التقنية فهى أنانية إهتمامها الأول وتركيزها على كسب وجمع الأموال وتاتى مصلحة الإنسان بعد المكسب المادى ولسنا بالطبع ضد التقدم العلمى ولكن تحقيق التوازن في ظل كل هذه المتغيرات حتى تخدم الثقافة التقنية التقليدية يحتاج إلى تنظيم وإبتكارات وتفكير خارج الصندوق لتفادى سلبيات التقنية والآلة ولعلنا نصل الآن إلى حقيقة مهمة أصبح المثقفون والمفكرون المهتمين بالإنسانيات حماة الثقافة التقليدية المتميزين فى الفنون الراقية والآداب والسلوك القويم عليهم دورا كبيرا في تحقيق التوازن بين الثقافتين وسيخضون حروبا غير متكافئة لكى يفرضوا تواجدهم بقوة على المجتمع الانسانى ليتغلبوا على خصائص الثقافة التقنية الجامدة التى لا تحتمل العواطف ولا تقدر إلا النفوذ والسيطرة وكسب الأموال الطائلة .

مايكل جاكسون

مقالات ذات صلة