مقالات وأراء

“أحمد أبو صالح” يكتب :” مشهد الكابيتول ” هل نكره الديمقراطية ؟

المتظاهرون يحاولون إقتحام الكابيتول

لا أحد يستطيع أن ينكر أن الولايات المتحدة الأمريكية هي شمس الديمقراطية بكوكبنا ، وأن ما حدث علي بأرض العاصمة واشنطن وأمام مبني الكونجرس وبداخل قدس أقداس الديمقراطية الأميريكية ” الكابيتول ” ما هو إلا مشهد مزهل لم يكن متوقعا أو بالحسبان من قبل ..

الفوضي

فقبل ساعات قليلة من الحدث الجلل لم يكن أحدا يتصور أو يتخيل أن مبني الكابيتول سيكون محاصراً بكل هذه الجماهير الغاضبة المناصرة لترامب وأنهم سيحتلون القاعة الرئيسية  أو “المستديرة” ؛ هذه القاعة المقدسة التي تشهد الحدث الأهم وذروة الديمقراطية الأميريكية ؛ ألا وهو إعلان إسم الرئيس الأميريكي الجديد كل أربعة أعوام .

بل أن هذه القاعة ستشهد أحداث فنتازية من إطلاق الغازات المسيلة للدموع وإشتباكات لرجال الشرطة مع المواطنين العزل ، بل وإصابة أحدهم برصاص الشرطة ، ثم في النهاية يُعلن حظر التجوال في عاصمة فتوة الكون، حقيقة هو نوع من الأحداث الدراماتيكية الصعبة التنبأ والتكهن .

والأغرب أن هذه الفوضي وكل هذا العبث معلوم من المدبر واللاعب الرئيسي به ، بل إن هذا المشهد الجلل العظيم معلوم النتائج ولصالح من !! ؛ فهو رجلا تحدي أعراف الديمقراطية الأميريكية الراسخة منذ قرون ، بل وتحدي قوة الدولة العظمي المتمثلة في قوة نفاذ قوانينها وفاعلية وصلابة مؤسستها ؛ إن ترامب رجلا ركل بقدمه وجه الكل .

كما أن صراخ الناجح “جو بيدن” والعجوز المخضرم “نانسي بولوسي” رئيسة مجلس النواب ومحاولتهم إستجداء “ترامب” لمخاطبة الغاضبين بإسدال ستار الرحمة علي هذا المشهد العبثي وإنهاء كل هذه الفوضي ؛ وكأن لسان حالهم يقول لترامب “متشمتش الأعادي فينا !! ” ،إن كل هذه الأحداث تؤكد أن هناك أزمة حقيقة بهذا الكيان وتطورا تاريخيا ديرامايتكيا سيكون له تبعاته الكبري.

فوضي الكابيتول

سلف ودين

لم تكن وحدة معلومات الشرق الأوسط بجهاز الـ CIA ؛ الجهاز الأعتي والأكبر والأقوي بالعالم تعمل حسباً لهذه الساعات القلائل التي مرت عليهم عمرا طويلا ضبابياً أسوداً ؛ فخطط هذه الوحدة لتفتيت الوطن العربي بداية من سايكس بيكو بستنيات القرن الماضي مرورا بمشروع الشرق أوسط الكبير إلي مشروع براند لويس الحالي المعني بتقسيم العرب إلي طوائف وعشائر ؛ لم تكن تدرك أنه لابد من ساعة ينقلب فيها السحر علي الساحر ؛ إلا تذكرنا مشاهد حصار الكابيتول بمشاهد محاصرة مجلس النواب وقصر الإتحادية والمحكمة الدستورية العليا وغيرها من مشاهد عبثية نُسجت بحنكة وإدارها المتآمرون بإحتراف ، أعتقد أن العقل الأميريكي لو كان يمتلك قدرا ما ولو قليلا جدا من الذكاء لراجع نفسه وأيقن أن حياة المؤامرات وتأجيج الصراعات لا تدوم طويلا ، بل ينعكس ظل صداها علي شعوبهم .

إين نحن ؟

حقيقة كنت أتمني أن يكون للدول العربية وجودا بهذا المشهد الفنتازي فآه وألف آه لو كنا قدر رأينا علما لدولة عربية أو لدولة من دول العالم الثالث التي لاقت الأمرين من السياسات الأميريكية المتعجرفة مرفوعا أعلي مبني الكابيتول أو بالقاعة المستديرة ، لكان الأمر خرج من إطار صراع أميريكي أميريكي علي السلطة والنفوذ لمعني آخر جلي وهو رفض مضمون الإمبراطورية الأميريكية وما تمثله من هيمنة وغطرسة  ، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن دونالد ترامب هو أقوي رجل في أميريكا الآن ، فلقد هز عرش بايدن بركلة سيدوم أثرها حتي موعد الإنتخابات الرئاسية القادمة كما أن الديمقراطيون لا شك يرتعدون من هذا الجهموري الجسور العنيف الذي لايلقي بالا لأي شئ سوي كراهية ورفض الخسارة .

العرب بالطبع كالعادة غائبين عن المشهد ؛ ولكن ما حدث ليلة إعلان الفائز برئاسة القوي العظمي التي يرتعد منها غالبية حكام المعمورة ، سيكون في صالحهم فأي كلام أو بالأدق تماحيك من القوة العظمي حول الديمقراطية سيكون الرد بإشارة أصبع صغيرة نحو حادث الكابيتول وليلة إقتحامه ، هذا الحدث الذي لابد أن يستثمر بذكاء سياسي كي يصمت الأميريكان للأبد هم وما ورائهم من منظمات حقوقية تتغني بحقوق الإنسان .

المتظاهرون بقلب القاعة المستديرة

الرجل الأقوي

إن ما حدث بالعاصمة الأميريكة واشنطن لا يمكن أن يسمي إنقلابا وإن كان ظاهره صراعا علي السلطة بالنمط الكلاسيكي ، وإنما هو لعبة عض أصبع خرج منها بايدن مهزوما مهزوزا وفاز دونالد ترامب بلقب الرجل الأقوي في الولايات المتحدة ، وأعتقد أننا سنري مشاكسات ومباريات سياسية من أقوي وأعنف ما يكون بين الجمهورين والديمقراطيين ؛ لكن لا أعتقد أنها ستهز الأمبراطورية الأميريكية أو تضرها بشئ ، فالمجتمع الأميريكي بالرغم من حداثته مقارنة بالمجتمعات العربية إلا أنه مجتمع متين راسخ وذلك لرسوخ مؤسساته وسهولة تبادل المناصب والسلطة بالإضافة إلا أن مجتمع مُصنع يُجيد التجارة بالإضافة للظروف الديمجرافية البيئية والسكانية التي تضمن لهذا المجتمع تماسكه مهما علا صوت التنافس والصراع السياسي وإحتد .

30 يونيو

لم يتمكن الأميريكان من قراءة لغة وإشارات ثورة 30 يونيو بل رفضوها رفضا تاما إلي أن أتي السلطة في مصر رجلا قوي ذهب إلي عاصمتهم هماته مرفوعة علي أكتاف ثلاثين مليون مصري خرجوا ليسقطوا دولة الثيوقراط ومن خلفها مشروع برنارد لويس الإستعماري التفتتي .    

  وإيا كان من يحكم بالبيت الأبيض الآن وأيا كان ولعه وشغفه بالكيان الصهيوني وبالمرأة الحديدة جولدا مآير التي تغني بها في عشرات اللقاءات المصورة ، فعليه أن يدرك تماما أن عقارب الساعة لن تعود للوراء وأن ما أصابه ليلة الكابيتول صعب أن يتكرر بدولة 30 يونيو ؛ ذلك لأنها دولة فتية يتصدر الشباب فيه المشهد ؛ بالإضافة إلي أن الفئات التي ظُلمت وهُمشت حصدت الكثير من المكاسب الإجتماعية خلال الفترة الماضية ؛ كما إن إخوان الشر وخونة الداخل هم في غياهب الجب ولن تجد قوي الشر مساندين لها بالداخل ، لذا فإن القادم في السياسة الأميريكية تجاه مصر هو الإحترام ولا شئ غير الإحترام .

متظاهري ثورة 30 يونيو

هل نكره الديمقراطية ؟

صراحة إن هذا السؤال أصبح عسيرا صعب الإجابة فهل الإنسان بطبعه متمرا يكره الديمقراطية والإنصياع لرأي الأغلبية ؛ حقيقة مشاهد الكابيتول الأثيرة تؤكد أن التركيبة الأنسانية الآن تمر بتغيرات عنيفة طرأت علي تكويناتها الداخلية ؛ قد يكون هذا بفعل الكوفيد 19 الذي مثل صدمة للإنسان المعاصر فلقد حاصره وهدد وجوده وحياته ، وقد يكون أيضا لأسباب آخري ؛ ألا وهي أن العبث بمقدرات الشعوب أصبح سهلا ميسورا حتي وإن كانت هذه الدولة هي أميريكا الدولة الأعظم بالكون !!.

أحمد إبراهيم أبو صالح

مقالات ذات صلة